عبد الملك الجويني
152
نهاية المطلب في دراية المذهب
وإن قالوا : ظننا أن الفئة المستعينة بنا هي العادلة ، وقدّرنا أنهم المحقون - ومن الممكن أن يخطر ذلك لهم ؛ فإن الفئة العظيمة من بغاة المسلمين على هذا العقد - فهل ينتقض عهدهم وهم على جهلهم ؟ فعلى قولين : أحدهما - أنه ينتقض بصورة القتال ، وهذا هو الذي وعدنا أن نذكره ؛ إذ أجرينا في المقدمات إمكانَ انتقاض العهد مع التمسك بعذر ، وكذلك لو قالوا : ظننا أنهم استنجدوا بنا على الكفار ، وما حسبناكم مسلمين - وأمكن صدقهم - ففي انتقاض عهدهم قولان : فإن قلنا : ينتقض العهد لصورة القتال ، فلو كان الإمام شرط عليهم ألا يقاتلوه ، فإذا قاتلوه عن جهلٍ ، فهل ينتقض عهدهم ؟ فعلى وجهين : أحدهما - ينتقض ؛ لأن العهد كان مشروطاً بشرط ؛ فلا يبقى مع تخلف الشرط . والثاني - لا ينتقض ؛ فإنّ شرطَ الانكفاف عن القتل محمول على الإقدام عليه عمداً على علم . ولو قالوا : ظننا أن المسلمين إذا تفرقوا واستعان بنا فئة منهم على فئة ، فعلينا أن نذب عن الناحية التي نحن قاطنوها ، ولم نعتقدهم ( 1 ) مبطلين ، فهذا الاحتمال أبعدُ ؛ فإن في النفوس التمييزَ بين المحق والمبطل . وإن [ كان فئة ] ، ( 2 ) لا يقاتلون ، وإنما يقاتل البعض دون البعض ، فإذا ذكروا مثل هذا ، فالأوجه انتقاض العهد ، وأجرى بعض أصحابنا القولين في الانتقاض على التفصيل الذي ذكرناه . 11014 - ونعود الآن إلى أوائل الكلام ، فنقول : إن انتقض عهدهم على علم من غير عذر ، فلا خلاف أنا نقتلهم مقبلين ومدبرين ، وقد ذكرنا أن القول ( 3 ) الذي عليه التفريع أن هؤلاء يُبلغون المأمن ، ثم ما أتلفوا بعد إظهار القتال لا يضمنونه ، لأنهم أهل حربٍ ، وقد انتقض عهدهم قبل صدور الإتلاف منهم ، وإن حكمنا بانتقاض العهد في صور الجهل - حيث يقيمون عذراً - فقد ذكرنا قولين في أنهم هل يُبلغون المأمن ؟
--> ( 1 ) ت 4 : " نعتقدكم " . ( 2 ) في الأصل : " وإن كل فئة " . ( 3 ) ساقطة في ( ت 4 ) .